عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 


 

الأربعاء الأول من شهر كانون الثاني 2005 – 5-1-2005

كنيسة مار شربل أدونيس

الأب دواد كوكباني

 

 

الموضوع:  "المسحة في الحياة"

(ملاحظة: هذا التعليم هو منقول عن التسجيل الصوتي، لهذا هو اقرب الى اللغة العامية).

 

اليوم في الوقفة او المحطة الثالثة ونحن نتأمل بقراءة يسوع لنبوءة اشعيا في مجمع الناصرة نطرح سوياً عدة اسئلة:

مسحني وارسلني لابشر المساكين، أدخلني بالأسرار وبنعمة القداسة والتقديس. وبالتالي:

ما اصبحت هويتي؟

سؤال أحببت اليوم أن اطرحه على ضوء عيدي الميلاد والغطاس.

ما هي هويتي؟

 

- اولاً: هويتي: لأعرّف عن ذاتي أقول: أنا إنسان يعرف أنّ يسوع تضامَنَ معه. كلمة "يعرف" كلمة مهمة.

أي أنّ ما يميّزني، بدون مفاضلة عن الآخرين، هو معرفتي لتضامن يسوع معي، أنا لست فقط إنسان تضامَنَ يسوع معه، لأنّ كل إنسان يقدر أن يقول هذا، لكن لا يعرف أن يقول، أنا إنسان تضامَنَ يسوع معه. انا قبلت هذا الكشف الإلهي الذي تمَّ بالروح. فإذا كان يسوع تضامَنَ معي بالجسد، فكما أخذ إنسانيتي أنا أخذتُ مسحته. لهذا أنا صرتُ مسيحياً منسوباً إلى المسيح. يسوع ابن الله صار إبن الإنسان. وانا صرت مسيحيّ انتَسَبَ اليَّ ونسبَني إليه.

اول نقطة لهويتي الجديدة إذاً، هي معرفتي بتضامن يسوع معي وبالتالي معرفتي أنه لم يأخذ فقط انسانيتي، بل أعطاني مسحته.

وإذا كان تضامن معي بفعل الروح القدس، فبهذا التضامن أعطاني ما له. أي اعطاني الروح القدس، وبهذا الروح القدس انا مُسِحتُ.

إذاً لكي يتضامن ابن الله مع الإنسان، تمّ ذالك بفعل الروح القدس. وبالتالي هذه المسحة التي هي الروح القدس التي قبلها يسوع من الروح، انا قبلتها بالروح عينه. وهذا معنى معموديتي.

إذاً أنا اولاً، مَن يعرف تضامُن يسوع معه وبالتالي أنا مسيحي.

 

-       ثانياً:  مُسِحتُ بالروح الذي هو القوة الفاعلة بتجسّد يسوع المسيح.

 

-       ثالثاً:  أنا مُرسَل: أنا متضامن مع إنسان مُرسَل فأنا إنسان مُرسَل. هنا اتوقف: أنا متضامن مع يسوع المُرسل الذي أرسَلَهُ الآب. يسوع المرسَل أُرسِلَ متضامناً. بمعنى أنَّ يسوع المُرسل لم يأتِ أقوى منّي؛ عملَ الذي (يسميه مار بولس) "فعل إخلاء ذات"؛ أتى متضامناً معي من المزود إلى الصليب، وليحرّرني دخل بمحدوديّة طبيعتي. لم يحرّرني من فوق.

وهنا نطرح سؤال كبير جداً. إذا أنا مُرسَل إلى الإنسان، عليَّ أن أكون متضامناً مع الإنسان.

في المجمع الفاتيكاني الثاني دستور راعوي اسمه "الكنيسة في عالم اليوم". هذا الدستور يقول: "أفراح وآمال وأحزان العالم هي افراح وآمال وأحزان الكنيسة". الكنيسة بالفاتيكاني الثاني، عادت تكتشف هذا البعد الذي فقدته بوقت من الأوقات في تاريخها. صارت المعلمّة وهي المعلمة، وصارت المنقذة وصارت وصارت... لكن صارت في برجها العاجي. هنا المشكلة. انتبهوا عندما اقول برجها العاجي تفكرون حالاً بالمظاهر الفخمة... انتبه...

لا بأس، أنتَ ايضاً صاحب البيت الصغير والسيارة القديمة ممكن أن تكون في برجكَ العاجي، ممكن أن تكون غير متضامن، ممكن أن تنظر إلى الذي يعيش القلق وتضحك عليه لأنك مطمئن بطريقة خيالية بيسوع الوهم وتنظر الى أخيك من فوق، وتقول "يا حرام" "مسكين" "شو معتّر" "اشكر الربّ أني أنا اعرف يسوع".

انت لا تقدر أن تكون رسول إذا كان وجع الناس لا يوجّعكَ، إذا كان قلق الناس لا يقلِقُكَ... إذا قلت لِما الهمّ الاقتصادي، انا أعيش وادبر ذاتي بالتي هي احسن. انتبه!وإذا احتجت مستشفى، انتبه!!

لا تدخل في العناية الإلهية التي تخدّر، لكن ادخل في العناية الإلهية التي تتضامن مع الناس والتي تتألم معك، وإلاّ لا يتحدث احدٌُ بعد بعد عن رسالة.

"ابكوا مع الباكين، وافرحوا مع الفرحين". ولا تضحك عليه لأنّه يبكي!!!

أنا مُرسَل، أي أولاً وقبل كل شيء أنا متضامِن؛ ثم، أنا معترض.

معترض على ماذا؟

على كلّ شيء يجرّدني من إنسانيتي، ويجرّد الآخر من إنسانيته، أي على الخطيئة.

أحياناً، أدعو نفسي مرسلاً واصبح معترضاً على الله. لماذا يسمح بهذا او بذاكَ او بهذه الأحداث والكوارث. إنطلاقاً من مفهومنا الخاطئ عن العناية الإلهية، كل هذه الأحداث تجعل الناس تقول لنا أين هيَ العناية الإلهية التي تؤمنون بها. ونحن مرتاحين بإيمانا؟؟؟

في بدء اجتماعنا صليت قائلاً:

"نفتش عليك لأننا نعرفك ولأننا لا نعرفك نفتش عليك".

لا ترتاحوا بإيمانكم. لا تقولوا نعرف!!! انتم لا تعرفوا شيئاً!!! وانا ايضاً.

واسأل: ما معنى متضامن؟

مثلاً عدد الذين يموتون بالكوارث الطبيعية يكبر... إذا ما هو الله؟

الفرق أنه إذا وقع ولد في البيت عن الشرفة ومات! تقولون الذنب ذنب اهله لم ينتبهوا له...

لكن هؤلاء الذين يموتون بالآلاف بالزلازل والفياضانات، نرى العملية ضخمة. لماذا عمل الله هذا؟؟ أو سمحَ بهذا؟؟؟ مع أنه ليس هناك فرق بين واحد يموت بالغلط ومئة الف. لا يجب ان نفكر كمياً.

التضامن هو أنك لا تفكر كمّيّاً. التضامن أنك تفكر إنسانياً.

هؤلاء ماتوا، أنا ايضاً سأموت!! هؤلاء ظُلِموا... أنا أيضاً سأظلم لكني ساقبل لأني اعرف تضامن يسوع معي، أنه حتى عبر هذا الظلم هناك خلاص. هنا النقطة بالتحديد، وإلاّ لا معنى لمسحة الروح القدس.

مسحة الروح القدس تعمل منك إثنين (ليس شخصيتين): بعدين بيبليين: البعد المسيحاني، وبُعد خادم الرب المتألم.

"فتاي الذي سرّت به نفسي انعم عليه بروحي"... : خادم الله المتألم متضامن مع الإنسانية المتألمة. وهنا يسوع يقول لك. انتبه، طريق الرسالة ليس سهلاً. "ستكونون في العالم بضيق، لكن ثقوا انا غلبت العالم".

لم يعدنا الربّ بأرض مخملية فيها السجّاد الأحمر.

ونحن احياناً كثيرة لنوفر على ذاتنا عناء الرسالة (وأرجو أن لا أفهمَ خطأ)،  نصير نضع بيننا وبين الناس وسائل الأعلان. اي مثلاً: في الكنائس نظن أن الحال ستتحسن في الكنيسة لأننا نقدم لهم تقنيات حديثة وموسيقى وصور وسنفرح الناس، ويرتاحوا والكنيسة تمتلئ، وانتبهوا انا لست ضد التقنيات الحديثة لكن إذا التقنيات اتت بالناس للكنيسة، تكون عملت واحد من الألف من الطريق، لكن ال 999 سيعملها حبّك الموجوع، ومع هذا لن يبقوا جميعاً، لن يبقوا كلهم، سيخافون من حبّك الموجوع ويهربوا.

المهم ان لا تخاف انتَ وتهرب.

لأن اكبر كذاب في الدنيا هو الذي يقول لك أنّ هناك حبّ لا يوجع. فإذا كان حبك البشري يتوجع هكذا فكم الحب الإلهي، والحب الإلهي، انت ستحمله للناس ولن  يتوجع الله وحده، انت ستتوجع معه بالتضامن، هذا هو الصليب.

هذا الصليب الحقيقي وليس الأماتات والصوم مع تقديري لتلك لكن هذا وجه وجع انت تختاره. الصليب اكبر من هذا.

عليك ان تقبل بالوجع الذي لم تختاره بل هو اختارك. وهذا لتكون مرسلاً متضامناً تضامناً كليّاً مع الإنسان.

 

الفكرة الثانية في الرسالة: الانفتاح على الروح.

انتبه، عليك أن تكون إنسان منفتح على الروح. ومعنى إنسان أي عندك فكر عندك طاقات، امكانيات، عقل... وعندك واقع.

وانت في واقع معيّن: مثلاً: انتَ المسيحي اللبناني الذي يعمل اي شيء...

مجهود كبير لتحافظ على عيلتك... مثلاً تعيش سوء تفاهم مع الطرف الآخر، عندك مشكلة في البيت مع ابنك، ومشاكل ومشاكل... انتَ بالذات الذي عندك كل هذا، انفتح على الروح...  المشكلة أنه احياناً كثيرة اظن انه لأنفتح على الروح عليَّ أن اطلع من ذاتي. المسيح اخلى ذاته لكنه بقى الله.

 ولا تظن انت لن تبقى إنسان. انت ستبقى إنسان. انفتاحك على الروح سيجذرّك اكثر واكثر في إنسانيتك واكثر واكثر في واقعك... إذا سلمتم على الذي يسلمون عليكم لا فضل لكم...

لكن إذا استطعت ان تكون مسيحي في واقع عائق لمسيحيتك.. عندها فقط لك الفضل وانتَ مسيحيّ.

إذا استطعت ان تقول اشكر الله، وكنتَ على فراش المرض، على فراش الموت عندها انت مسيحيّ... تكون مسيحيتك هنا مشروع... المعمودية فيها كل امكانيات الملكوت. هناك تتبلور وتنمو لكن في تاريخك، في واقعكَ... في الظلم، الجوع، الألم، وهناك ايضاً الفرح والأشياء الإيجابية...

 

انتبه يسوع الذي قال ارسلني لأبشر المساكين، الفقراء والذي قال لأحرر الأسرى هو بذاته قال كنتُ جائعاً، مريضاً، عطشاناً، سجيناً، غريباً، عرياناً، محبوساً... أتى ليحرر المظلومين وهو منهم، اتى ليحرّر الغرباء وخاصته لم تقبله.. هو منهم. وهذا لن تكونه انتَ إلاّ لأنّ روح الربّ عليك "مسحني وارسلني".

 

مراجع للتأمل: سفر التكوين من الفصل 1 الى الفصل 2 الآية 4.

                متى 3: 13: معمودية يسوع

                ونص العنصرة في أعمال الرسل فصل 2

 

عندك قنوات يكلمك فيها الروح القدس. وانتبه كل هذه القنوات داخلية:

 

1-              الكتاب المقدس

2-              الأسرار

3-              الآخر

 

1-              الكتاب المقدس:  من الممكن أن يبقى خارجاً عني، لكن إذا لم اربطه بواقعي، بحياتي العملية اليومية، لا يوصلني الى رسالة الروح، سأقرأ حياتي على ضوئه وأقرأه على ضوء حياتي.

2-              الأسرار:    تدخلك سرّ الله. غاية الأسرار أن تدخلك في سرّ الله، لكن انتبه الله الذي تدخل في سرّه هو إله متجسد أي بقدر ما تدخل بسرّ الله بقدر ما تدخل بسرّك كإنسان وبقدر ما تدخل في سرّ الإنسان الآخر.

3-              الآخر:  وأخيراً، إذا لم يكن عندك تضامن مع الإنسان الآخر، لن تشعر بالذي يشعره، ستشفق عليه من فوق. ستساعده مثلما يساعدك أي انسان مهم في المجتمع، يساعدك من فوق وتشعر أنك من تحت، هذا ما لم يقبله الله على ذاته، الله لم يساعدك من فوق، هل أرسل لك عوناً من السماء؟؟؟ العون الذي ارسله من السماء هو يسوع المسيح. العمانوئيل. لم يعد هناك فوق وهنا، هو فوق وهنا. ماذا يعني هذا: أنت عندما تكون في القداس، او في  معموديّة أو توبة أو مسحة مرضى او تتزوج، او تمسح كاهنا، أنتَ في آنٍ معاً على الأرض وفي السماء. قداسنا سماء. أنت في السماء، حصلنا عليها. إن القداس والاعتراف ليس مثل اي شيء آخر. هذا هو السماء... وهذا ما ستقوله للناس، أنا في السماء بكل الذي فيَّ كما أنا، حتى في وجعي، وهذا السلام الذي تعيشه وهذه هي السعادة التي ستعيشها. علينا أن نطلع من السعادة الخيالية؛ وليس صحيحاً ابداً أن الدين افيون الشعوب كما قال ماركس... أنا أواجه وجعي ولا أهرب منه، حتى بموتي هناك حياة، وهذا ليس وهم.

صلّوا للربّ لتصلوا إلى عمق هذا الاختبار. وشكراً.


التعليم    ||   الصفحة الرئيسيّة