عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 


 

لقاء التلمذة مع الأب مارون مبارك

الجمعة 26 كانون الأول 2003 – عنايا

 

الموضوع:   "الشهـادة"

 

مقدمة:

هو اللقاء الرابع حول المناسبة ذاتها، أي ختام السنة. فبعدما ابتدأنا في سنة 2000 بالعبور، ثم في 2001 بالتجذر ووصلنا الى 2002 بالتتلمذ، ها نحن في ختام ال2003 نقف عند موضوع "الشهادة" التي أرى أنّها نتيجة هذه المسيرة الروحية التي عشناها حتى الآن.

موضوع "الشهادة" ليس بالجديد في الحياة المسيحية، إذ به عرف المسيحيّون الأولون رسالتهم بعد حديثهم عن مجيء يسوع الثاني، فراحوا يقدمون أغلى ما عندهم وأسمى درجات الحبّ نحو الرّب بانتظار عودته فكانت الشهادة.

 

فالحديث عن الشهادة يعطي صورة عن الحماس، واليوم الكثيرون يعطون خبراتهم في الحياة الروحية.

نحن نحترم كلّ الخبرات، لكن الشهادة ليست فقط "نقل الخبرات" بل هي قبل كلّ شيء "صنع الخبرات" الصحيحة حتى تكمل في ما بعد عملية النقل.

من هنا ضرورة التوقف عند النقاط التالية:

* ثلاثة أبعاد عامة:

1- الاطار القانوني:    وهنا يبرز طابعها العام (Publique).

2- الحركة الاختبارية: ما هو موضوع الشهادة "كان موضوع خبرة عن الشاهد".

3- قضية الصحة:     ما هو صحيح وما هو زور ومزيف في عمل الشهادة.

 

1-   الإطار القانوني:

ولدت الشهادة في عالم القانون والمحاكمات، السؤال المطروح هو معالجة قضية صارت معروفة، أصبح لها دعاية، ويجب تقديم الأدلة البيّنة لكي يتمكن الناس من الحكم على القضية وإعلان من أي جهة هو الحق والمنطق.

فالشهادة تأتي بالبيّنات والأدلة حول وضع وحالة، أو حول شخص، حول قضية، حول قانون تم التعدي عليه. فهذا الاطار القانوني أضفى على الشهادة طابعها العمومي، أي بعدها الدعائي، بدون دعاية لا يكون شهادة.

أ- لأنها تمس قضية شخص أو حالة، فالشهادة تستند على أمر يكون قد رأته، أو سمعته. وهذا ما نسميه "الاختبار" بالعين والأذن، وبعده تأخذ الطابع الاخباري (Narration). إذاً هنالك صلة ضرورية بين الشخص الذي يشهد والأمور التي يشهد لها. فهنا تبرز صفة جوهرية في الشهادة بالبعد الديني وهي أنّه لا يستطيع الشهادة إلاّ مَن كانت عيناه مفتوحتين وأذناه سامعتين. فالشاهد هنا صار مَن يعيش خارجا عن ذاته ومهتماً بكلّ ما هو حوله.

هنالك عنصر آخر في الشهادة ضروري في مفهومنا للشهادة اليوم، وهو: البعد النهيوي للإنسان أي هدف وجوده، وهو ما يعطي معنى لكلّ ما يعمل ولكلّ ما يقول. وهذا يُظهر أنه غير واضح للآخرين وغير واضح للشخص نفسه.

لذلك يحتاج إلى "شهادة". فالشهادة هنا تدخل في اطار أن يعلن الإنسان ما يعيشه، ما يعرفه عن ذاته، وما هو شخصه بذاته. بهذا المعنى تكون الشهادة الوسيلة التي بها نعبّر عن هدفنا الأسمى والأعلى. وهنا نفهم أن الشهادة تقتضي أولاً من الإنسان أن يكون مالكاً لذاته وأن يكون قادراً على التعبير عن ذاته.

(Auto possession – Auto communication)

أمّا في الاطار الديني والروحي فإن الشهادة تنطلق من هذا البعد الأخير في امتلاك الذات وايصال الذات للآخرين. فالمفهوم اللاهوتي والبعد اللاهوتي للشهادة هي أن يقدر المرء أن ينقل واقعه لأنه يعرف هذا الواقع ويلمسه ويسيطر عليه. هكذا فإن الشهادة هي عملية تخطّي الذات للوصول إلى الآخر من خلال امتلاك هذه الذات

Le Témoignage est l’expression et la démonstration de l’auto possession qui se transcende.

انّها بمعنى آخر إعطاء الذات بكلّ حرية.

 

ب- هذه المفاهيم العامة للشهادة نلمسها جيداً في اختبار "المغارة" حيث نعيش في هذه الأيّام "أجواء الميلاد". المغارة هي شاهدة الكلمة، وزوارها هم شهود على اختلاف أنواع أحوالهم وحالاتهم.

أ- يسوع، الطفل المقمط الموضوع في مذود، هو شاهد حق لكلمة الله، لا بل انّه هو الكلمة التي صارت جسداً. بصمت الطفولة الي فيه نرى كلمة الله المدوّية في مصير البشرية، تعيش هذه الكلمة التنازل للوجود مع الناس، هنالك خبرة الانحناء إلى جانب خبرة المرافقة. إلهنا ينحني نحونا ليكون إلى جانبنا، النزول والمعيّة، يشهد لهما يسوع في مذوده.

ب- مريم ويوسف، يشهدان بأعينهما ما سمعاه خلال زيارة الملاك لهما بالبشارة والبيان. وحفظ هذه الأمور والتأمل بها في القلب هو شهادة مريم على صحة الحدث وقوة الحقيقة، لأنه أمام الحقيقة الساطعة لا بد من الصمت والتأمّل.

ج- الرعاة ساروا إلى أورشليم ليروا ما كانت لهم كلمة الرّب؛ وعندما رأوا تعجبوا فتحدثوا وعادوا يسبحون الله. لقد عاشوا شهادة "الفرح" لأنّهم كشفوا حقيقة السمع والنظر والقول المنسجم بحيث صاروا في سلام.

د- المجوس حملوا الهدايا بعدما عرفوا سرّ النجمة التي دلّتهم على الملك المولود الجديد، فشهدوا بتقادمهم وسجودهم له أنّه هو المنتظر.

ونحن أي شهادة نعيش في مدرسة المغارة حتى نكون في قلب العالم رهباناً أي علامات تشدّ العالم للرّب؟

 

د-     يسوع شاهد للآب:

في إنجيل يوحنا يظهر يسوع في شخصية الشهادة، أنه الآتي من عند الآب إلى العالم لكي يجعل العالم يعرف الحق (18/37)، ثم عاد إلى حضن الآب (16/28) ولا يزال يتابع ويواصل عمله من خلال البارقليط (الروح القدس) (14/26).

هذه هي صورة يسوع الشاملة المهمّة جدّاً في إيضاح عمليّة الشهادة.

 

2- البعد الاختباري : أو الحركة الاختبارية:

لقد تحدث يسوع دائما عن أمور رآها (يوحنا: 1/18، 3/11و23، 5/19، 8/38) وعن أمور سمعها (يوحنا: 3/32، 5/30، 8/26، 15/15، 12/49، 8/40). فيسوع يعلمنا بكلّ ما سمعه من الآب: "فقد دعوتكم أحبائي لأني أطلعتكم على كلّ ما سمعته من أبي" (يوحنا 15/15). نجد في إنجيل يوحنا العديد من الصور التي تبين هذا البعد الإختباري، أي العلاقة والخبرة الشخصية بين يسوع والآب:

أ-      لقد جاء يسوع لكي يعمل إرادة الآب. يوحنا (4/34، 6/40و 38، 5/30) هذه الآيات لا تحكي عن أعمال أو عن أقوال يسوع في علاقته مع الآب، بل إنها تشرح ما كان يسوع في داخله، ما كانت حياته هو في اتحاده مع الآب.

فكل حياة يسوع يمكننا أن نختصرها بهذه العبارة "أن يكون في جهوزية وتنبه دائم لتتميم إرادة الآب".

فهنالك نص واضح جدا بهذا المعنى: "إنّ الذي أرسلني هو معي، لم يتركني وحدي لأني أعمل دائماً أبداً ما يرضيه". يوحنا (8/29)، إذاً "لا يعمل من وقت لآخر ما يريده الآب، بل دائما أبدا، يعني حياتاً متواصلة في إرادة الآب".

 

ب-    لقد جاء يسوع ليعمل الأعمال التي أوكله الآب بها: هنا يظهر مفهومنا اللاهوتي لأعمال يسوع (يوحنا: 5/19 – 20،5/36، 7/21و3، 10/25-33؛ 10/37-38). إذاً هذه النصوص ليست إلاّ للدلالة على أن أعمال يسوع ليست من عنده بل من عند الآب الذي أرسله. فكل حياة يسوع مملؤة بهذه الأعمال لذلك قال هو لأبيه في صلاته. "إني قد مجدتك في الأرض فأتممت العمل الذي وكلت إليّ أن أعمله". يوحنا 17/4 – لذلك قال أيضاً "طعامي أن أعمل بمشيئة من أرسلني وأن أتم عمله" (يو4/34).

 

ج- الوصية التي نالها يسوع من الآب: لم ينلها لكي توجه عمله بل لكي تغطي حياته كلها، لذلك كل ما يعمله، يقوم به كما أوصاه الآب "كما أوصاني الآب" يوحنا (14/31). إذاً القيام بالوصية ليس سوى الوجه الآخر للقيام بالمشيئة وتتميمها حسب مفهوم الكتاب المقدس.

 

3 - قضية الصحة المحاكمة؛ الظاهر العام Public:

في الأناجيل الازائية برزت محاكمة يسوع واضحة في آخر كلّ منها بحسب الأحداث التي توالت وشهد يسوع لذاته أمام بعض اسئلة الحاكم والمحاكمين. لكن في إنجيل يوحنا اختلف الأمر بعض الشيء إذ ظهر يسوع منذ البدء وهو في حالة محاكمة أي أنه يظهر ويشهد عن ذاته مَن هوَ وماذا يعمل.

منذ أول ظهور علني له في أورشليم وطرد الباعة في الهيكل في (يو 2/13-25) بدأ اليهود والسلطات تلقي نظرها عليه.

تم السؤال عنه من قبل يوحنا أنت الآتي أم ننتظر آخر، فأعطى يسوع شهادة عن أعماله (1/19-28)

ثم يحكي عن الأعمال وعن الكتب والأنبياء التي تشهد له والآب يشهد له وليس فقط شهادة يوحنا. لذلك نجد أنه في يوحنا الإنجيلي لم تتم محاكمة يسوع والاستماع له للشهادة لأن كل حياته كانت شهادة لمن هو في حقيقته. لقد استجوبه اليهود "أنت من أنت" (8/53)،

"إن كنت المسيح فقله لنا علانية ولا تدعنا في ريبة" (10/24).

 

أ- التزام الشاهد بشهادته شخصيا:

Identification entre le témoin et son témoignage

هنالك تماه بين يسوع وشهادته لأنه جاء ليقول ما سمعه ورآه من الآب، لكنه لم يخبر ما رآه، إنما فقط شهد بشخصه له وهو في كلّ ما عمل وقال وكان جعل الشهادة صادقة، لأن ما اختبره مع الآب كأنه حقاً في ذاته. لما سأله بيلاطس اذا ما كان هو ملك اليهود أجاب يسوع بوضوح "هو ما تقول، فإني ملك، وأنا ما ولدت وأتيت العالم إلا لأشهد للحقّ". (يوحنا 18/37).

وهذا الحق هو يسوع نفسه: "أنا الطريق والحق والحياة لا يمضي أحد إلى الآب إلاّ بي" (14/6).

وإذا راجعنا يوحنا 8/13-20 في حديثه مع اليهود يقول يسوع أنه يشهد لنفسه لأن شهادته حق: "فأنا أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب".

فهوية يسوع الخاصة الحميمة الداخلية هي أنه والآب واحد لذلك شهادته هي Auto expression يقول لنا مَن هو بالذات "إن الله ما رآه أحد قط الإبن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (يوحنا 18). فالآب هو الذي يعطي ليسوع كلّ معنى ما يقول ويعمل وما هو: أنه الإبن، المسيح الكلمة، أن المسيح النبي الكبير أعلن ملكوت الآب بشهادة حياته وقوة كلمته، يقوم بوظيفته النبوية حتى الظهور الكامل لمجده، ليس بالسلطة التي تعلّم باسمه وسلطانه فحسب، ولكن بالعلمانيين أيضاً الذين أقامهم شهوداً وسلّمهم بذور الإيمان ونعمة الكلمة (أعمال 2/ 17-18، رؤيا 19- 10) حتى تتلألأ قوة الأنجيل من خلال حياتهم اليومية والعائلية والاجتماعية"...

"هكذا يغدو العلمانيون مبشري الإيمان بالمرجوات (عب 11/1) إذا جمعوا، دون تردد، إلى حياة ينعشها الإيمان، الاعتراف بالإيمان عينه. وهذا التبشير، أعني حمل البشارة بالمسيح بشهادة الحياة والكلمة، يرتدي علامة مميزة وفاعلية خاصة بحيث أنه يتم في أوضاع العالم العادية" (نور الأمم عدد 35) مدعوون لأن نكون:

شهوداً   --->  رأوا فاخبروا بعدما سمعوا.

علامات --->  يعملون ما هو مطلوب حتى تصبح الحقيقة ملموسة.

وذلك عن طريق:

-  الكلمة    = الاعلان 

-  العمل    = النشاط

-  الحضور = الالتزام

 

الخــتام

معادلتان حتى نفهم معنى الشهادة:

القنية (الاقتناء --- >  الحفاظ على الحياة --->   الخيانة)

الكينونة --->  معنى الحياة --->   الاستشهاد

بين الاستشهاد والشهادة هنالك قرابة ليس فقط في العبارات:

-   الرسالة بدأت في الأول ترقب المجيء.

-   صارت فيما بعد الإستشهاد أي التعبير عن الحب الأكبر.

-   صارت مع الرهبان شهادة حية بالاستشهاد غير الدموي، الجذرية في عيش الإنجيل.

 

 قصة الفيلسوف والطاسة:

كان هناك فيلسوف هندي يعيش في صومعته رأى الناس كلهم عطشانين ترك الصومعة ونزل إلى النهر وأخذ معه طاسته وقف قرب النهر وراح يملأ الطاسة ويبيعهم الماء وكان الناس يقفون صفوفا ينتظرون دورهم ويشربون من الماء المعطى لهم. وبعد يومين انتبهوا وقالوا لماذا لا يجلب كل واحد منا طاسته ويملأها من النهر ويشرب وفعلوا هكذا، وعندما رآهم الفيلسوف رجع إلى صومعته. (يسوع في الميلاد يحمل لنا الطاسة حتى نحن نعود نحملها شهادة لغيرنا).

 

 قصة الساعة: يخبر أن مدير مصنع أتي زيارة المصنع وأضاع ساعة يده... فبحثوا عنها طويلاً ولم يجدها أحد، وبعد خروج الجميع خرج صبياً صغيراً يحمل الساعة، وعند سؤاله كيف وجدها قال: انتظرت كي يهدأ الجوّ وأصغيت لدقاتها فوجدتها.

أن نعطي اذننا، لان من له اذنان سامعتان فليسمع، حتى ينقل الحق الى من هم بحاجة اليه.


التعليم   |||   الصفحة الرئيسية