|
قراءة من القديس يوحنا فم الذهب:
بولس
الرسول

عندما أستمِعُ إلى قراءة رسائلِ بولس، أتهّلَلُ فرحاً، وقد
أخذتني نشوةُ الإصغاء إلى ذلكَ البوقِِ الروحي، وتملّكني
شغفٌ به لاهب، فأعرفُ صوتَ صديقي، ويُخيَّلُ لي أنّي
أشاهِدُهُ بأُمَّ العين واسمعُ نبراتِ صوتِه.
بيد أنّي أتألّمُ من ناحيةٍ أخرى، ويشِقُ عليَّ أن لا
يعرفَ جميعُ الناس ذلكَ العبقريَّ، كما يجب. بل منهم مَن
يجهَلُ حتى عددَ رسائله. وليسَ هذا لبلاهتهم، بل لعدمِ
رغبتم في أن تكونَ هذه الكتاباتُ دائماً بينَ أيديهم.
أما أنا، فإذا كنتُ أعرفُ شيئاً، فمردُّ ذلكَ، لا إلى أن
لي عقلاً متفوّقاً، بل لأنَّ حُبّي للقديس بولسَ يحثُّني
دائماً على مطالعة كتاباته. المُحِبُّ هو أكثَرُ معرفةً
بمحبوبه من سواه لأنّهُ يستأثرُ باهتمامه. كما يتَّضِحُ من
كلام القديس بولس إلى أهلِ فيليبّي: "أرى من الصوابِ أن
تكونَ لي كلُّ هذه العواطف نحوكم، لأنّكُم جميعأ في قلبي،
أنتُم الذينَ تشاطروني قيودي في تأييد الإنجيل والدفاع
عنه".
فإذا أرتأيتُم، أنتُم أيضاً، أن تُعيروا رسائلَه
انتباهَكم، فلا يُطلبُ منكم أكثر من ذلكَ، لأنَّ قولَ
المسيح حق: "اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتَح لكُم"! وبما أنَّ
لدى الكثيرين منكم أعباءٌ تستأثرُ بوقتِهم في تدبير شؤونِ
عائلاتهم وتربيةِ بنيهم، فلا تستطيعونَ الانقطاعَ إلى تلكَ
المُهِمّة، فليبذلْ كلٌّ منهُم جهدَه، محرّضاً مَنْ لهم
متَسَعٌ من الوقت على الانكباب عليها. ثم اهتمّوا بالاصغاء
إلى شروحِهم بقدر اهتمامِكم بكسبِ كلّ أموالِ هذا
العالم...
(مقدّمة
رسائل القديس بولس)
|